اختراق دولي يفضح دور دمشق في تجارة الكبتاغون العابرة للقارات

في منعطف خطير يكشف طبيعة التحولات العميقة في الجغرافيا السياسية للمخدرات في الشرق الأوسط، تلقت شبكات التهريب الدولية المرتبطة بسلطة الجولاني ضربة استخباراتية قاصمة في جنوب آسيا. إذ أعلنت السلطات الهندية، عبر مكتب مكافحة المخدرات (NCB)، عن تفكيك شبكة دولية كبرى وإحباط أول وأضخم شحنة من مخدر الكبتاغون في تاريخ البلاد، قادمة مباشرة من الموانئ السورية ومعدة للتصدير والترانزيت إلى دول الخليج العربي، وتحديداً نحو مدينة جدة في المملكة العربية السعودية.
وتأتي هذه الفضيحة الدولية المدوية لتعري زيف الشعارات التي رفعتها الفصائل والشيوخ المتنفذون في سلطة الأمر الواقع بدمشق التي يتزعمها الجولاني منذ اعتلائها سدة الحكم في أواخر عام 2024. فبينما أمضت هذه القوى نحو 14 عاماً في مهاجمة النظام السابق وتوجيه اتهامات رخيصة له برعاية تجارة الكبتاغون والسموم، أثبتت الوقائع الميدانية والاتفاقيات الدولية أن النظام السابق كان يخوض حرباً حقيقية لمحاربة المواد المخدرة والالتزام بالمعاهدات الأممية ذات الصلة.
تفاصيل عملية “RAGEPILL”: خيوط المؤامرة من نيودلهي إلى غوجارات
وجاء الإعلان عن العملية الأمنية النوعية التي حملت اسم “RAGEPILL” بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة تلقتها الأجهزة الهندية من وكالة أجنبية حليفة لمكافحة المخدرات. وأكد وزير الداخلية والتعاون الهندي، “أوميت شاه”، أن نجاح هذه العملية يعكس سياسة “عدم التسامح مطلقاً” التي تنتهجها حكومة “ناريندرا مودي” تجاه عصابات التهريب والإرهاب المرتبط بالمخدرات.

ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الهندية، جرت فصول القضية على مرحلتين متتاليتين:
المرحلة الأولى (المداهمة والاعتقال): داهمت قوات مكافحة المخدرات في 11 مايو 2026 منزلاً مستأجراً في منطقة “نيب ساراي” بالعاصمة نيودلهي. وأسفرت العملية عن اعتقال مواطن سوري تبين أنه عضو فاعل في الشبكة الدولية، وكان قد دخل الهند بتأشيرة سياحية في 15 نوفمبر 2024 وظل مقيماً بصفة غير قانونية بعد انتهاء صلاحيتها في يناير 2025. وعُثر داخل المنزل على 31.5 كيلوغراماً من أقراص الكبتاغون مخبأة بعناية داخل آلة تجارية مخصصة لتقطيع الخبز، مجهزة للشحن إلى السعودية.
المرحلة الثانية (الضربة الكبرى في الميناء): قاد استجواب المتهم السوري والاعترافات التي أدلى بها إلى كشف الشحنة الأساسية والأضخم؛ حيث تحركت السلطات فوراً بتاريخ 14 مايو 2026 إلى محطة الحاويات بميناء “موندرا” في ولاية غوجارات. وهناك جرى تفتيش حاوية بحرية تجارية قادمة مباشرة من سوريا، وكانت الشحنة مغطاة ببيان جمركي مضلل يدعي نقل “صوف الأغنام”. وأسفر التفتيش الدقيق عن ضبط 3 أكياس ضخمة تحتوي على 196.2 كيلوغراماً من مسحوق الكبتاغون الخام المعد للتصنيع والتعبئة.
أرقام صادمة وتحقيقات موسعة عابرة للحدود
بلغ إجمالي وزن المواد المصادرة في العملية نحو 227.7 كيلوغراماً من الأقراص والمسحوق الخام لمادة الكبتاغون (التي تتكون أساساً من مادتي الفينيثيلين والأمفيتامين المدرجتين كمنشطات ومؤثرات عقلية خطيرة). وتُقدر القيمة السوقية لهذه الشحنة في أسواق الخليج والشرق الأوسط بنحو 182 كرور روبية هندية (ما يعادل قرابة 22 مليون دولار أمريكي).
تؤكد التحقيقات الهندية الجارية أن استخدام الأراضي الهندية لم يكن إلا محاولة للتمويه والالتفاف الجغرافي؛ حيث خططت الشبكة المرتبطة بسلطة دمشق لاستخدام الموانئ الهندية كمركز ترانزيت لإعادة تصدير المخدرات نحو موانئ الخليج العربي، هرباً من الرقابة المشددة المفروضة على الشحنات المباشرة الخارجة من الموانئ السورية الواقعة تحت سيطرة فصائل الجولاني.
ولم تتوقف القضية عند حدود المصادرة؛ بل فتح مكتب مكافحة المخدرات الهندي تحقيقاً موسعاً يهدف إلى تتبع شبكات الحوالات المالية والتمويل، والخدمات اللوجستية التي سهلت خروج الشحنة من سوريا، إلى جانب تحديد الهويات الكاملة للمستلمين الدوليين وزعماء العصابات المتورطين. وتتزامن هذه العملية مع ضبطية ضخمة أخرى شهدتها مدينة مومباي مؤخراً شملت 349 كيلوغراماً من الكوكايين القادم من الإكوادور، ما يشير إلى تصاعد وتيرة استغلال الحاويات التجارية من قبل شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات.
سلطة دمشق بمواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي
تضع هذه الوقائع الدامغة سلطة الأمر الواقع في دمشق أمام مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، إذ لم يعد بإمكان ما يُسمى “شيوخ الفصائل” وقادتها التستر وراء عباءة الشعارات، بعدما تحولوا في غضون عام ونصف فقط من سقوط النظام السابق إلى ركيزة أساسية لتجارة الكبتاغون الدولية ومخدر “الجهاديين”.
إن انتقال دمشق من ريادة الالتزام بالمعاهدات الدولية لمكافحة المخدرات في السابق، إلى مركز تصدير عالمي للسموم يستهدف تدمير طاقات الشباب في دول الجوار والخليج العربي، يثبت بالدليل القاطع أن العقلية التي تدير الدولة السورية اليوم ليست سوى عقلية فصائلية نفعية ضيقة، لا تقيم وزناً للقوانين الدولية، ولا تبحث سوى عن مراكمة الأموال وتثبيت نفوذها غير الشرعي بشتى الطرق غير المشروعة لا سيما عبر تجارة المخدرات.
رابط المقال



